دخلت مدرعتان وسيارة شرطة وسيارتا نقل صغيرتان مفتوحتان قرية الري بالرش التابعة لمركز إدفو شمال أسوان، بعد ظهر 5 سبتمبر، ضمن حملة أمنية استهدفت منزل عبد الله الحجيري، لتبدأ بعدها مواجهة مسلحة استمرت نحو ساعتين ونصف. ويستعرض معتز حجاج، في هذا التحقيق، كيف تحولت القرية التي أُنشئت قبل نحو ستة عقود ضمن مشروع لاستصلاح الأراضي الزراعية إلى منطقة ارتبط اسمها بتجارة السلاح والمخدرات والتعدين غير الرسمي عن الذهب.


ويكشف التحقيق المنشور في «مدى مصر» أن انفجار العنف الأخير ليس حادثًا عابرًا، بل نتيجة لنمط ترسخ في القرية على مدار سنوات، بعدما غرقت في الحرمان منذ تسعينيات القرن الماضي وعانت من نقص الخدمات وعزلة جغرافية متزايدة. ومع تراجع الزراعة وغياب البدائل الاقتصادية، فتحت هذه الظروف المجال أمام ازدهار تجارة السلاح والمخدرات، قبل أن تتداخل معها أنشطة التنقيب غير الرسمي عن الذهب، ما عمّق عزلة القرية وسكانها.


اندلعت المواجهة الأخيرة في إطار حملة استهدفت الحجيري، الذي يقول المزارع أحمد البقة إنه ارتبط مرارًا بحوادث إطلاق نار وسرقة سيارات ودراجات نارية وتوك توك بالقوة من سكان القرية و«الدهابة»، وهم العاملون في التعدين غير الرسمي عن الذهب. كما يقول البقة إن الحجيري من بين المتهمين بقتل أحد أبناء القرية قبل نحو عامين.


ويقول البقة لمدى مصر إن الحجيري خاض معظم اشتباكات السبت بمفرده، قبل أن يقفز من سطح منزله إلى سطح منزل مجاور، أصابت رصاصة طائشة خلال الاشتباك مواشي صاحبه، ما أدى إلى نفوقها، باعتبارها «مصدر رزقه». كما يقول إن اثنين من أفراد الشرطة أصيبا خلال المواجهة، هما معاون مباحث مركز إدفو محمد زيدان وأحد المجندين. وسجلت الأخبار المتداولة إصابة زيدان، دون الإشارة إلى المجند أو تقديم تفاصيل إضافية عن المداهمة.


ورغم ذلك، تمكن الحجيري من الهرب من القرية، فيما داهمت القوات الأمنية منزلًا آخر وقتلت صاحبه، الذي وصفه البقة بأنه تاجر مخدرات، قبل أن تنسحب من المنطقة. وفي اليوم التالي، عاد الحجيري إلى القرية «وكأن شيئًا لم يحدث»، بحسب البقة.

 


من مشروع لاستصلاح الأراضي إلى قرية تعاني نقص المياه والخدمات


اندلع العنف في مطلع الشهر ليكشف نمطًا متكررًا ترسخ في الري بالرش. فقد غرقت القرية في الحرمان خلال تسعينيات القرن الماضي، بعدما عزلها نقص الموارد والخدمات الأساسية عن محيطها. ويصف السكان كيف أتاحت هذه الظروف مساحة لازدهار تجارة السلاح والمخدرات غير الرسمية وغير المشروعة، بينما لم تنجح التدخلات الأمنية والاشتباكات المتقطعة، التي ازدادت خلال السنوات الأخيرة، في تفكيك هذه الأنشطة.


أُنشئت القرية، التي يعني اسمها تقريبًا طريقة الري بالرش، قبل نحو ستة عقود ضمن مشروع حكومي لاستصلاح الأراضي. ويصفها شاذلي، أحد مزارعيها، لـ«مدى مصر» بأنها لا تزال «أشهر قرية في زراعة الطماطم بمحافظة أسوان».


وأُنشئت الري بالرش عام 1968 ضمن مشروع لاستصلاح الأراضي نفذته شركة مصر العليا الزراعية في وادي الرديسية. وعندما صُفيت الشركة عام 1990، قُسمت الأراضي التي استصلحتها من الصحراء وأعيد توزيعها على المزارعين الأفراد، وهم العاملون السابقون بالشركة، بأسعار مخفضة للفدان تُسدد بفائدة منخفضة على مدار 30 عامًا، مقابل قبول العاملين إنهاء خدمتهم وعدم التقدم إلى الوظائف الحكومية مستقبلًا.


ومن هنا بدأت المشكلات. فبحسب موظف في الإدارة الزراعية تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم ذكر اسمه، كانت شركة مصر العليا تزرع نحو 300 فدان فقط من إجمالي قرابة 1500 فدان تقع ضمن الحدود الرسمية للقرية.


لكن بعد انتقال ملكية الأراضي إلى العاملين، احتاج أصحابها إلى تحقيق دخل من الزراعة وتوفير أموال لسداد قيمة الأراضي وفوائدها، فسعوا إلى استغلال قطع الأراضي الجديدة بأقصى قدر ممكن.


ولم تكن القرية مجهزة لاستيعاب هذا النشاط الزراعي. يبدأ وادي الرديسية من قريتي طوناب والحصايا بالقرب من النيل، ويتعمق شرقًا داخل الصحراء مارًا بقرى بسالي وزقلونة وراية، وصولًا إلى الري بالرش وأم سلامة، قبل أن يقترب من النيل مجددًا عند قرية العدوى المجاورة.


وتقع الري بالرش تقريبًا في منتصف هذا الامتداد، وتبتعد عن مصادر المياه عند طرفيه، بينما تحيط بها الصحراء. وللوصول إلى القرية، يتعين على مياه النيل أن تقطع مسافة طويلة عبر محطات رفع وقنوات.


وكانت كمية المياه التي تكفي الشركة لزراعة نحو خُمس إجمالي مساحة القرية غير كافية لري كامل الأراضي بعد انتقالها إلى أصحابها الجدد.


ويقول الموظف: «سلمت الشركة الأراضي على أساس وجود حصة مياه مخصصة لها. لكن في الواقع لم يكن لدى المزارعين أي حصة مياه لثلث أراضيهم».


ولم تجد مطالب السكان بزيادة حصتهم من المياه استجابة. فقد صُنّف المشروع في الأصل ضمن الأراضي التي تعتمد على الري بالرش، وهو ما منح القرية اسمها. ويقول الموظف إنه رغم اعتماد الشركة نفسها على الري بالغمر لزراعة الأراضي، فإن تصنيفها الرسمي بعد إعادة توزيعها أصبح ذريعة تُستخدم في مواجهة مطالب السكان.


ولم تُنشأ جمعية زراعية في القرية لتنظيم توزيع المياه، فبدأت الخلافات على المورد الشحيح في التصاعد.


وتحتاج الأراضي حاليًا إلى الري كل خمسة إلى ثمانية أيام، لكن دورة الري في القرية قد تمتد إلى 12 أو 18 يومًا، بينما لا تصل المياه إلى بعض الحقول على الإطلاق. ويقدر الموظف أن نحو 80% من أراضي القرية كانت قد أصبحت بورًا بحلول عام 2024. ولم تتمكن «مدى مصر» من التحقق من الرقم بصورة مستقلة، لكنه يتوافق مع روايات المزارعين عن تراجع واسع في المساحات المزروعة.


وزادت مشكلات الري مع تدهور البنية التحتية. ويقول عبدو النوبي، المسؤول عن إدارة محطة رفع المياه الخاصة بالري بالرش، إن المحطة لم تخضع لتجديد شامل منذ إنشاء المشروع، كما لم تُجدد محطة أخرى ترفع مياه النيل إلى الوادي منذ عام 1996. ولم يُنظف حوض تجميع المياه في المنظومة منذ عام 1986. ويضيف النوبي أن بعض الطلمبات تعمل بنحو 10% فقط من طاقتها، بينما تحتاج ترعة وادي الرديسية نفسها إلى تبطين وضبط مناسيبها لمنع تبخر المياه عند ارتفاع منسوبها.


ولا تقتصر أوجه القصور على الزراعة. فيقول موظف بالوحدة المحلية لمدى مصر إن القرية لا تضم وحدة صحية أو مكتب بريد أو مركز شباب، ما يضطر السكان إلى قطع نحو 15 كيلومترًا للوصول إلى مستشفى إدفو العام، يمر أكثر من نصفها، بحسب قوله، عبر طرق غير ممهدة.


ويضيف الموظف أن الأراضي المخصصة للخدمات العامة في الوادي بيعت خلال السنوات الأخيرة عقب تصفية أصول شركة مصر العليا، كما آلت الأرض المخصصة للجمعية الزراعية إلى رجل يصفه سكان القرية بأنه تاجر مخدرات.


حتى مسجد القرية أُغلق منذ عام 2021 بعدما أصبح المبنى مهددًا بالانهيار، بحسب السكان الذين أقاموا خيمة للصلاة على نفقتهم الخاصة.


ويمتد الحرمان إلى أنحاء الوادي. فقد صُنفت قرية وادي الرديسية، وهي القرية الرئيسية في مشروع الاستصلاح، ذات يوم ضمن أفقر 100 قرية في مصر. وأُدرجت لاحقًا ضمن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، بينما يرى سكان الري بالرش أن أوضاع قريتهم أسوأ من حيث الخدمات، رغم عدم إدراجها في المبادرة، مرجعين ذلك إلى الوضع الأمني.


وتتفاقم الأزمة مع غياب وسائل النقل العام. ويقول صابر، وهو سائق من الري بالرش، إن السكان يتنقلون خلال النهار بواسطة سيارتي نقل صغيرتين غير مجهزتين لنقل الركاب، بينما يضطرون في أوقات أخرى إلى انتظار شاحنة عابرة أو جرار زراعي. وبعد حلول الظلام، لا تعود المشكلة مجرد العثور على وسيلة نقل مناسبة، بل يخشى السائقون أصلًا من سلوك الطريق.


ومع تراجع الزراعة وندرة البدائل، يقول شاذلي إن تجار المخدرات بدأوا في شراء أراضٍ داخل القرية وإقامة منافذ لتجارتهم، مع ترك الأراضي دون زراعة.


وانهارت أسعار الأراضي. وأُقيم منفذ لبيع المخدرات بجوار أرض شاذلي نفسه، الذي يقول إن قيمة أرضه كانت تقترب من 400 ألف جنيه وأصبحت الآن أقل من نصف هذا المبلغ. ورغم ذلك، رفض عرضًا لبيعها لأحد العملاء الذي وصفه بأنه تاجر آخر، «حتى أحافظ على سلامة جيراني من الأذى».


وتنمو مساحات كثيفة من نبات «الهيش» الغازي في الأراضي الزراعية المهجورة بالري بالرش، بحسب موظف الإدارة الزراعية، ما يوفر قدرًا من التخفي للتجار والمتعاطين. ورغم أن الجمعيات الزراعية تستطيع نظريًا إلزام أصحاب الأراضي بإزالة هذه النباتات، يخشى بعض العاملين في الجمعيات بالقرى المجاورة الدخول في مواجهات مع أصحاب الأراضي.


وتظهر المخاوف نفسها في رواية موظف الوحدة المحلية، الذي يقول إن كثيرًا من العاملين الحكوميين، وبينهم موظفون في وزارة الكهرباء، يترددون في الذهاب إلى القرية لتحرير محاضر مخالفات ضد الأراضي المستخدمة كمنافذ لبيع المخدرات أو «طواحين» التنقيب غير الرسمي، وهي مواقع يستخدمها المعدّنون غير الرسميين لسحق الصخور الحاملة للذهب ومعالجتها، وانتشرت هي الأخرى في أنحاء القرية خلال العقد الماضي.


ويؤرخ مصدر سبق له العمل في موقع أمني بقسم شرطة إدفو توسع تجارة المخدرات والسلاح في وادي الرديسية، الذي تضم مناطقه قرية الري بالرش، إلى السنوات التالية لثورة يناير. ويستشهد المصدر بحادث اختطاف عمدة قرية طوناب، فوزي أحمد علي مكادي، عام 2011، عقب مواجهة قيل إنها ارتبطت بإقامة منفذ لبيع المخدرات في قريته. ومنذ ذلك الحين، لم يظهر مكادي مجددًا.


وخلال السنوات التالية، بدأت تقارير تتحدث عن اشتباكات بين الوادي وقراه وقوات وزارة الداخلية، بينما ظهرت الري بالرش بصورة خاصة في التقارير المرتبطة بالمخدرات والأسلحة. ومنذ عام 2020، بدأت وسائل إعلام تستخدم تعبير «أوكار الري بالرش» في تغطية الحملات الأمنية التي تستهدف القرية.


ورغم احتمال دخول الأسلحة إلى القرية بالتزامن مع تجارة المخدرات غير المشروعة، فإن انتشارها أضاف طبقة جديدة من العنف والتوتر إلى الخلافات المحلية. ففي عام 2020، دفع خلاف بين عائلتين على قطعة أرض، تصاعد إلى تبادل إطلاق النار، قوات الأمن إلى فرض طوق حول القرية. كما انتشرت جرائم القتل على خلفية خلافات عائلية أو تجارية، وشهد بعضها إطلاق نار أو طعنًا، حتى بين الأشقاء.


ويقول فرج، أحد مزارعي القرية، إن الخلافات نفسها ليست جديدة، لكن وسائل حسمها تغيرت: «زمان كنا بنتخانق بالعصيان. دلوقتي أبسط خلاف بين عيلتين بيبقى فيه بنادق آلية».

 


التنقيب غير الرسمي عن الذهب يوسع دائرة السلاح والمخدرات


ازدادت في السنوات الأخيرة صلة التعدين غير الرسمي بالأنشطة الأخرى في القرية. ففي أعقاب ثورة 2011، توسع التنقيب غير الرسمي عن الذهب في الصحراء الشرقية، وأصبحت إدفو واحدة من نقاط الانطلاق الرئيسية للدهابةج المتجهين إلى الجبال. وتقع الري بالرش بالقرب من عدة طرق تؤدي إلى جبال إدفو.


ودفع قرب القرية من الصحراء بعض سكانها إلى العمل في التنقيب غير الرسمي عن الذهب، بحسب شاذلي. كما تحولت القرية إلى قاعدة لبعض المعدّنين ومطاحن تكسير الصخور ومعالجتها، بالتزامن مع انتشار تجارة المخدرات والأسلحة.


وانتشرت في المنطقة والقرى المحيطة بها مطاحن تكسير ومعالجة الأحجار المستخرجة من مواقع التنقيب، ولا سيما الكوارتز.


ويقول النوبي: «منذ بدأت المطاحن تعمل [في الري بالرش]، والكهرباء بتضعف»، بعدما جرى توجيه جزء من الطاقة الكهربائية إلى منشآت المعالجة الصغيرة غير الرسمية.


ومع دخول سيارات ومعدات وخامات مرتفعة القيمة إلى المنطقة بسبب التنقيب عن الذهب، ازداد أيضًا الشعور بالحاجة إلى الحماية المسلحة.


ويربط صاحب إحدى المطاحن في القرية توسع نشاط التعدين بانتشار الأسلحة، قائلًا إن حمل السلاح أصبح أكثر شيوعًا مع اشتداد المنافسة على مواقع التنقيب عن الذهب منذ عام 2018. ويشرح: «لازم يكون معايا سلاح وذخيرة عشان أحمي نفسي».


وتظهر العلاقة بين النشاطين أيضًا في أحدث حملة أمنية، إذ يقول البقة إن الاتهامات الموجهة إلى الحجيري لا تتعلق فقط بسرقة سيارات السكان، وإنما تشمل أيضًا سيارات يستخدمها «الدهابة».


ويرجع فرج الانتشار السريع للأسلحة إلى صراعات اندلعت أواخر عام 2021 حول مواقع التنقيب غير الرسمي في جبال إدفو. ويقول إن مجموعات من قبائل المنطقة شاركت فيها، وامتدت تداعياتها إلى القرى التي ينطلق منها المعدّنون إلى الجبال. ويضيف: «بعدها السلاح زاد في القرية. كل واحد عايز يحمي زرعه ومواشيه».


ومع انتشار البنادق، نشأت سوق خاصة بها. ويقول فرج إن سعر البندقية الآلية يتراوح بين 150 و200 ألف جنيه، بينما تتراوح قيمة الطلقة بين 120 و140 جنيهًا. كما يؤجر التجار البنادق بنحو ألف جنيه يوميًا لمن يريد استخدامها، ويبيعون الذخيرة بالدين. وإذا عجز المدين عن السداد، فقد يخسر أرضه أو سيارته أو منزله.


ويقول فرج إن تدهور الوضع الأمني دفعه إلى التفكير في بيع ذهب زوجته لشراء بندقية تحمي أسرته. كما يرى أن تورط أفراد من العائلات المحلية في جرائم قتل أدخل مزيدًا من الأشخاص في دوائر المطاردة والثأر، معربًا عن أسفه لأن «عدد البلطجية في قريتنا بيزيد واحد كل يوم».
 

وفي هذا المناخ، توسعت سوق مخدر «الشابو»، أو الميثامفيتامين البلوري. ولم يقتصر انتشار المخدر على الري بالرش، إذ وثقت «مدى مصر» في يونيو 2025 توسع تداوله في أنحاء محافظة أسوان، ما دفع الأهالي إلى تنظيم احتجاجات وتحركات في عدد من القرى والمناطق ضد منافذ بيع المخدرات. وربطت مصادر تحدثت في التقرير بين ارتفاع استخدام الشابو والتنقيب غير الرسمي عن الذهب، نظرًا لاستخدامه أحيانًا كمنشط يساعد العاملين على قضاء ساعات طويلة في الجبال.


ويقدم شاذلي تفسيرًا آخر لصعوبة مواجهة هذه الأنشطة، إذ ينتمي سكان القرية إلى عائلات وقبائل متعددة، بخلاف بعض قرى الوادي التي تتمتع بتجانس اجتماعي أكبر. ويرى أن ذلك يقلل قدرة السكان على التحرك الجماعي ضد التجار.


ويقول إن عدد متعاطي المخدرات بين الشباب في القرية والمجتمعات المحيطة بها يتزايد باستمرار، واصفًا مشهدًا يكاد يتكرر يوميًا لمتعاطين فاقدين للوعي في شوارع القرية. كما يشير إلى زيادة مرتبطة في معدلات السرقة، قائلًا: «حتى مقابر القرية دخلوها وسرقوا الحديد اللي بيبنوا بيه المقابر».


وخلال السنوات الأخيرة، تحدثت وسائل إعلام عن إصابات جراء مشاجرات داخل القرية، ووفيات نتيجة إطلاق النار أو الشنق، فضلًا عن اشتباكات مسلحة مرتبطة بتجارة المخدرات، شارك فيها تجار وقوات تابعة لوزارة الداخلية. وشملت الوقائع اشتباكات اندلعت بسبب التنافس على فتح منفذ جديد لبيع المخدرات، وإصابة شاب مر بالقرب من أحد هذه المنافذ، ومواجهات أخرى استمرت أيامًا نتيجة خلافات بين مجموعات مرتبطة بتجارة المخدرات.


لكن شاذلي يرى أن التأثير الأكثر وضوحًا لهذه التجارة يظهر في السمعة التي التصقت بالقرية، والتي زادت عزلتها عن محيطها والقرى المجاورة.


وتجلى ذلك بوضوح عام 2023، عندما ظهرت في مناطق وسط إدفو شعارات تقول: «لا للمخدرات.. الشابو يعني الموت.. الري بالرش قاتلة»، ضمن حملة شعبية لمواجهة تعاطي المخدرات.


ويقول شاذلي إن بعض عائلات القرى المحيطة بدأت ترفض زواج بناتها من شباب الري بالرش، موضحًا: «أول ما يعرفوا إن العريس من الري بالرش، يقولوا له: بنتنا مش هتعيش هناك».


وفي يونيو 2025، وخلال احتجاجات على انتشار المخدرات في المحافظة، أغلق سكان قرية بسالي المجاورة الطريق المؤدي إلى الري بالرش احتجاجًا على انتشار الشابو، ورددوا الشعارات نفسها المناهضة للمخدرات.


وبدأ الوادي، الذي ربطت قراه ذات يوم شبكة مشتركة من المياه والزراعة، يشهد إغلاق بعض طرقه مع تزايد الخوف من قريته المركزية. ويروي عبده السمطي، الذي اشترى أرضًا في الري بالرش قبل نحو 25 عامًا واعتمد على زراعتها في معيشته، كيف بدأ ابنه الأكبر تعاطي الشابو ثم الاتجار بالمخدرات، قبل أن يطرده من المنزل. ويقول السمطي: «أنا راجل بسيط، ماليش سوابق. معرفش غير الزراعة. عايش في بيت طوب وراضي بالرزق الحلال».


وبالنسبة إليه، فإن القرية التي بات الآخرون يخافون منها هي أيضًا المكان الذي يخشى فيه على ابنه، قائلًا: «مش عايز أخسره».

 


الخوف يغيّر الحياة اليومية ويعمّق عزلة القرية


ألقت هذه الظروف بثقلها على الحياة اليومية في القرية. فعندما زارت «مدى مصر» المنطقة للمرة الأولى عام 2024، أشار السكان إلى منافذ على الطريق الرئيسي قالوا إنها تستخدم لبيع المخدرات.


وتكرر الأمر خلال زيارة ثانية عام 2025، عندما بدا أن عدد هذه المنافذ ارتفع بصورة كبيرة، رغم هدم وزارة الداخلية عددًا منها. وبقيت آثار المنشآت المهدمة في صورة أنقاض متناثرة وسط الأراضي الزراعية المحيطة بالطريق.


وخلال الزيارة الأولى، ظهرت الأسلحة قبل أن تبدأ المقابلات. فما إن دخلت سيارة مراسل «مدى مصر» وادي الرديسية في اتجاه القرية، حتى لحقتها دراجة نارية يستقلها رجلان مسلحان، بدا أنهما علما بالزيارة مع تجمع السكان في منزل المضيف. وبمجرد دخول المراسل إلى المنزل، أطلق الرجلان عدة طلقات في الهواء.


وخلال الزيارة الثانية للمراسل نفسه، أوقفهما رجل مسلح أثناء تصويرهما في شوارع القرية، قبل أن يتدخل السكان لمساعدتهما على المغادرة.


وخلال جولتيهما، شاهد المراسل رجالًا مسلحين يحملون بنادق آلية أثناء التسوق من متاجر القرية، إلى جانب سيارات تسير دون لوحات معدنية ومجهزة بأسلحة آلية ثقيلة أو تقل مسلحين. كما كان بعض الأطفال والمراهقين الذين يمرون على دراجات نارية يحملون أسلحة. وتناثرت فوارغ الطلقات على الأرض، بينما كان الأطفال يجمعونها ويلعبون بها.


وتقول شاذلي إن هذه المشاهد أصبحت تشكل إيقاع الحياة اليومية في القرية. فمع حلول فترة الظهيرة، يبدأ النشاط في الارتفاع حول منافذ بيع المخدرات، بينما تتراجع حركة بقية السكان. وتغلق الأسر أبوابها، وتقل حركة النساء والأطفال خارج المنازل، ويصبح الخروج من القرية أكثر صعوبة.


ويقول شاذلي عن إطلاق النار: «الأطفال بقوا يصحوا من النوم مرعوبين بالليل»، مرجحًا أن عددًا كبيرًا من أطفال القرية يعانون التبول اللاإرادي نتيجة الخوف. وأضاف أنه يرفع صوت التلفزيون ليلًا «عشان الأطفال تعرف تنام»، مشيرًا إلى أن إطلاق النار وصل في إحدى المرات إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة في المنطقة خلال ساعات الدراسة.


وتروي نساء من مختلف الأعمار قصصًا مشابهة عن الخوف من العنف المتكرر في القرية، وكيف يحد ذلك من حركتهن وأنشطتهن.


وتتذكر إحدى أكبر نساء القرية، التي تحدثت شريطة عدم ذكر اسمها، صورة مختلفة تمامًا للحياة في الماضي: «كنا بنخرج مع رجالتنا نزرع. الراجل يشتغل في الأرض، والست تعمل حصيرة أو طبق من الخوص، والعيال تلعب حواليهم». أما الآن، فتقول إنها تخشى حتى الخروج إلى فناء منزلها ليلًا، بعدما أصبحت الرصاصات تصيب المنازل السكنية بصورة متكررة. وتوضح أن «أطباق الدش وخزانات المياه في المنطقة كلها بقت فيها خرم رصاص».


أما النساء الأصغر سنًا، فتقول بعضهن إنهن يفضلن الذهاب بأنفسهن إلى متجر البقالة بدلًا من إرسال أطفالهن، خوفًا عليهم من السيارات المسرعة التي يستخدمها تجار السلاح والمخدرات، ومن تحول شوارع القرية بصورة متكررة إلى مسرح لمطاردات السيارات وأحيانًا تبادل إطلاق النار.


كما قلصن زياراتهن إلى القرى المجاورة، حيث يعيش كثير من أقاربهن، وحصرنها في ساعات محددة من النهار. وتقول إحدى النساء: «دلوقتي لو الست قعدت عند أصحابها أو أهلها في قرية جنبنا بعد العصر، جوزها يقول لها خليكي هناك».


وتشترك النساء اللواتي تحدثت إليهن «مدى مصر» في الخوف نفسه، وإن اختلفت أشكاله. فهن يخشين أن يكبر أطفالهن ليصبحوا جزءًا من الواقع المحيط بهم، سواء عبر الوقوع في الإدمان، أو الانضمام إلى دوائر السلاح والعنف، أو التحول إلى ضحايا لهذه الدوائر.


وبالنسبة إلى أم صابر، تحول هذا الخوف بالفعل إلى واقع. فعندما اعترض ابنها عام 2024 على إطلاق النار أمام منزل الأسرة، أُصيب بثلاث رصاصات وقُتل أمام عينيها، بحسب روايتها لـ«مدى مصر».


ويقول السكان الذين تحدثوا إلى «مدى مصر» إن أفرادًا من الشرطة يلقون أحيانًا باللوم عليهم عندما يتصلون لطلب المساعدة، ويتهمونهم بالسماح للمسلحين وتجار المخدرات بالإقامة بينهم.
 

ويقول أبو الحسن، سائق توك توك من القرية، إن تسجيل الري بالرش عنوانًا له في بطاقة الرقم القومي قد يكون كافيًا أحيانًا لتغيير طريقة تعامل الشرطة معه عند نقاط التفتيش، بما يؤدي إلى زيادة التوقيف والتفتيش والاشتباه.
 

ومع ذلك، يرحب كثير من السكان بالحملات الأمنية وانتشار قوات الأمن داخل القرية.
 

وعندما تمركزت قوة أمنية في الري بالرش عقب إحدى جرائم القتل، قال السكان إن بعضهم أحضر للضباط الطعام والشاي، بينما ذبح أحد السكان عجلًا احتفالًا بوجود القوات. وأتاح الانتشار الأمني للسكان الخروج من منازلهم بعد غروب الشمس والنوم دون الخوف من جولة جديدة من إطلاق النار. لكن القوة لم تبق طويلًا.
 

وبحسب رواية المصدر الشرطي السابق لإحدى المداهمات، دخلت القرية قوة تضم ثلاث مدرعات وعددًا كبيرًا من السيارات، قبل أن تضطر إلى الانسحاب بعد نحو ساعة من إطلاق نار كثيف نفذه عدد قليل من المسلحين.
 

ولم تتمكن «مدى مصر» من التحقق بصورة مستقلة من كل تفاصيل الواقعة، لكنها تشبه نمطًا تكرر في تقارير لاحقة، وظهر مجددًا في 5 سبتمبر: تدخل القوات الأمنية القرية، فتندلع اشتباكات يسقط خلالها قتلى أو مصابون وتُضبط أسلحة، ثم تواصل الأنشطة غير المشروعة عملها.
 

ويقول البقة، المزارع من أبناء القرية، إن الوضع ازداد سوءًا منذ بداية العام: «كل يوم يا تلاقي واحد ميت، يا واحد اتضرب واتسرق في الطريق، يا بيت في القرية اتسرق».
 

ويضيف: «ليل ونهار، ضرب النار مش بيقف».

 

https://www.madamasr.com/en/2026/09/12/feature/politics/how-agricultural-reclamation-village-al-ray-bel-rash-became-beset-by-weapons-drugs-and-the-informal-gold-trade/